السيد محمد حسين فضل الله
28
من وحي القرآن
اعملوا آل داود شكرا اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً فقد عزّز اللَّه مكانتكم بالنبوّة ، وأفاض عليكم من نعمه الشيء الكثير مما لم يعطه للكثير من عباده ورسله ، فلا بد من الانطلاق في خط الشكر العملي ، في الدعوة إلى اللَّه ، والعمل في سبيله ، والسير في طريق طاعته ، وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ الذين يملكون عمق المعرفة باللّه ، في مواقع عظمته ونعمته ، وحقه العظيم على عباده في عبادتهم له ، وشكرهم لنعمائه . ولعل التأكيد على قلّة الشاكرين من عباده يوحي بأن مسألة الكثرة لا تمثل قيمة إنسانيّة في مضمون قرارها وحركتها ومنهجها العملي في الحياة ، لأنها ترتبط بالسطح الظاهر للأشياء ولا ترتبط بالعمق مما يجعلهم بعيدين عن خط الصواب . وليس معنى ذلك ، أن القلّة تمثل - دائما - معنى القيمة الإنسانية في مضمون الفكر وحركته ، بل إن المعنى العميق في ذلك ، هو عدم اعتبار الكثرة العددية أساسا للإيجاب ، كما أنّ القلّة العددية لا تمثل أساسا للسلب ، فلا بد من دراسة المضمون الداخلي للفكرة للقبول بها أو لرفضها . فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ لم يعرفوا به ساعة حدوثه و ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ وهي الأرضة تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ أي عصاه ، فَلَمَّا خَرَّ إلى الأرض تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ الحقيقة الإيمانية التي تؤكد على استقلال اللَّه بعلم الغيب ، فلا يملك أحد من عباده أيّة ملكة في هذا المجال ، إلّا بمقدار ما يعطيهم من مفردات الغيب ، في ما يحتاجون إليه خلافا للفكرة الشعبية التي تؤمن بأن الجن يعلمون الغيب ، ويقيمون علاقات خاصة مع الإنس ، فيطلعوهم على الغيب ليضروا به بعض الناس ، ولينفعوا بعضا آخر ، أو ليكتشفوا أسرارهم ، وربما كان الجن يعتقدون في أنفسهم ذلك ، بما قد يستوحونه من غيب بعض الأمور من خلال ملامحها ، في ما يجدونه من المفردات التي توحي